يشكل التلقيح الاصطناعي إحدى أبرز التقنيات الطبية الحديثة التي أحدثت تحولا جوهريا في مجال الإنجاب، غير أن هذا التطور العلمي أثار إشكالات فقهية وقانونية عميقة، لاسيما فيما يتعلق بإثبات نسب الطفل الناتج عنه، خصوصا في الحالات التي يتم فيها خارج إطار الزواج الشرعي. وقد تدخل المشرع المغربي من خلال القانون رقم 47.14 المتعلق بالمساعدة الطبية على الإنجاب، ليقنن هذه الممارسة بشكل صريح، واضعا شرط وجود علاقة زوجية قائمة بين الزوجين كإطار وحيد ومشروع لإجراء عملية التلقيح، وذلك حفاظا على مقاصد الشريعة الإسلامية في صيانة الأنساب وحماية كيان الأسرة.
ورغم وضوح هذا الموقف التشريعي الذي يعتبر أي عملية تلقيح خارج هذا الإطار محرمة شرعا وممنوعة قانونا، إلا أن مسألة تحديد نسب الطفل المولود من هذه الصورة الاستثنائية لا تزال تثير جدلا فقهيا وتشريعيا واسعا. ففي حين يرى بعض الفقهاء استحالة ثبوت النسب في مثل هذه الحالة لغياب العلاقة الزوجية، يتجه آخرون، مدفوعين باعتبارات مصلحة الطفل الفضلى، إلى البحث عن حلول بديلة تراعي واقعية الوضع وتحفظ الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية.
فإذا كان المشرع المغربي قد حسم الإطار المشروع للتلقيح الاصطناعي بشكل واضح، فإن الإشكال يبقى قائما بخصوص النسب في حالة خرق هذه الشروط، وهي مسألة تتطلب حوارا فقهيا وقانونيا معمقا يوازن بين مبادئ الشريعة ومقتضيات العدالة الاجتماعية، والانفتاح على بعض النماذج القانونية والفقهية في الدول العربية الأخرى، لتقديم قراءة شاملة ومقارنة تساعد على فهم الإشكالات المشتركة والاختلافات في معالجة مسألة النسب في حالات التلقيح الاصطناعي خارج الزواج.