ُعد السياسة الجبائية أحد الركائز الأساسية لأي نظام اقتصادي حديث، إذ تهدف إلى تحقيق التوازن بين متطلبات تمويل الإنفاق العمومي وتحفيز الاستثمار والنمو الاقتصادي. غير أن العولمة الاقتصادية وتزايد حركة رؤوس الأموال والأشخاص بين الدول أفرزت إشكالية معقدة تتمثل في الازدواج الضريبي الدولي، أي خضوع نفس الدخل أو الربح للضريبة في دولتين أو أكثر.
ينشأ هذا الازدواج عادة بسبب اختلاف أسس الإقامة أو مصدر الدخل بين التشريعات الجبائية الوطنية، مما يؤدي إلى تحميل المكلفين أعباء مالية مضاعفة ويضعف جاذبية الاستثمار الأجنبي. ولتجاوز هذه الإشكالية، تعتمد الدول عدة آليات، أهمها الاتفاقيات الثنائية لتجنب الازدواج الضريبي التي تهدف إلى توزيع حق فرض الضريبة بين الدول بشكل منصف، وضمان الشفافية وتبادل المعلومات الجبائية.
كما تلعب المنظمات الدولية مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) دوراً محورياً في وضع معايير دولية لمكافحة التهرب الضريبي والحد من تآكل الوعاء الضريبي. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تبني سياسة جبائية متوازنة تقوم على العدالة والفعالية، وتستجيب للتحولات الاقتصادية الرقمية والعابرة للحدود. إن معالجة الازدواج الضريبي ليست فقط مسألة تقنية، بل هي قضية سيادية تتعلق بحق كل دولة في فرض الضرائب، ما يستدعي تنسيقاً دولياً فعالاً لضمان نظام ضريبي عالمي أكثر عدالة واستقراراً.