يعتبر الاقتصاد من المجالات الحيوية التي تتقوم بها أمور الدولة، وعلى هذا الأساس أعطى الإسلام أولية كبرى واهتماما أوسع لهذا المجال، فوضع قوانين ضابطة للمارسات التي تشغل العاملين به، ليستخلص الفقهاء بعد ذلك أهم السمات التي ميّزت الإسلام عن غيره، فواكبوا عصورهم بالتصدي للتحديات الكبرى عبر الرجوع إلى الضوابط التشريعية التي وضعها الإسلام قبلُ والمسطّرة في القرآن الكريم وكذا السنة النبوية الشريفة، كما نظروا في المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية ليصلونا بمراد الشارع من تشريع هذه الأحكام خاصّة في مجال المعاملات (احتكاك الإنسان بالإنسان).
ولمّا كان الاستهلاك من أهم مباحث الاقتصاد فقد أولى له الإسلام أهمية خاصة، باعتبار سلوك الاستهلاك لا يَلزم ميدان الاقتصاد وفقط، بل يتعداه إلى غيره مما هو سياسي واجتماعي ونفسي (...)، الأمر الذي به قد ترتقي دول وتتدنى أخرى. لقد وضع الإسلام في مبحث الإستهلاك عدة ضوابط، تدعو الإنسان للاستهلاك _ معرفة ًمن الشارع أن هذا الإنسان كائن مستهلك، وهي جبلّة جُبل الناس عليها _ لكن وفي الآن ذاته تضبطه بين لا إفراط ولا تفريط، وتُرتب _ الشريعة_ على ذلك الثواب والعقاب.
هذا وقد أثبتت المذاهب الاقتصادية الغربية فشلها في التجاوب مع التحديات الحضارية المعاصرة، بل كانت هي المشكل ومنها انبتقت المعضلات الكبرى وهي التي قادت العالم إلى الانحدار والتقهقر، الأمر الذي جعل عقلاء الغرب ينتقدون هذه المذاهب، راغبين في تجاوز هذه المذاهب إلى غيرها لإعادة إحياء "الإنسان العقلاني" وإعادته إلى إنسانيته الأولى.
يطرح الإسلام (وبالرغم من الانحطاط الذي تعيشه الدول الإسلامية والعربية في كل الميادين) نفسه كبديل قوي في الساحة الاقتصادية، ويضع أوراقه باعتباره المذهب الوحيد القادر على تجاوز هذه الأزمات، والانتقال منها إلى الرقي البشري. وعلى هذا الأساس جاءت هذه الدراسة لتصحيح الرؤية التي تزعم أن الإسلام متجاوز ونقضها من أساسها، ثم لتبيين أهم سمات الاقتصاد الإسلامي والتي تجعله اقتصادا رائدا إذا تحقق على أرض الواقع.